فيفيان سمير تكتب: حين توقفت الكتب عن الكلام


في صباحٍ بارد من نوفمبر، جلس "ديفيد"، المهندس الخمسيني الذي أنهكه التوتر، على مقعد خشبي قديم في مكتبة بوسطن العامة، فتح رواية "البحث عن الزمن المفقود" برفقة كوب شاي، وبعد ثلاث ساعات من القراءة المتواصلة، شعر بشيء غريب. ذلك الألم في صدره الذي ظل يرافقه لأشهر، اختفى. هذه ليست قصة خيالية، بل تأثير موثق علميا للقراءة الورقية على العقل البشري. ومع ذلك، في زاويةٍ مهجورة من مكتبة الكونجرس، حيث يسكن الضوء خجلا بين الرفوف العالية، يجلس كتاب "موبي ديك"، مغطى بطبقة من الغبار تكفي لكتابة اسمك عليها، ينتظر. منذ عام 2015، لم تلمسه يد بشرية. هذه ليست قصة كتاب واحد، بل مأساة جيل كامل من الكتب التي صارت أشباحا.
الحقائق والاحصائيات تخبرنا أن مكتبات العالم تشهد انخفاضاً بنسبة 38% في الإقبال منذ 2010 (الاتحاد الدولي لجمعيات المكتبات)، لكن المفارقة أن العالم يقرأ أكثر من أي وقت مضى؛ فحسب بيانات Statista، متوسط وقت القراءة اليومي ارتفع إلى 16 دقيقة عام 2023 مقارنة بـ 12 دقيقة عام 2010. السؤال المحير: ماذا نقرأ إذن؟
الجواب يكمن في دراسة صادمة من جامعة كاليفورنيا. 78% من هذا الوقت يذهب لوسائل التواصل الاجتماعي، بينما لا يتجاوز وقت القراءة العميقة دقيقتين يوميا. عقل الإنسان الحديث صار يتعامل مع معلومات تعادل 34 جيجابايت يوميا (تقرير جامعة سان دييجو)، لكنه فقد القدرة على الغوص في كتاب لأكثر من 8 صفحات متتالية. التكنولوجيا لم تقتل القراءة، لكنها غيرت تشريح الدماغ البشري. دراسة من معهد ماكس بلانك تظهر أن القراءة الرقمية تنشط مناطق مختلفة في المخ عن القراءة الورقية. نحن نتصفح النصوص كما نتصفح المتاجر الإلكترونية بسرعة وبشكل سطحي، كما أن دراسة من جامعة ستانفورد تُظهر أن القراءة الرقمية تقلل الفهم العميق بنسبة 30%، والنتيجة أنه في عصر المعلومات اللامحدودة، صرنا أكثر جهلا. تقرير اليونسكو الأخير ينص على أن 43% من خريجي الجامعات لم يعودوا يقرأون كتابا واحدا بعد التخرج. المكتبات تتحول إلى "مقابر للمعرفة"، كما يسميها الفيلسوف الفرنسي آلان باديو. ندفع المال لـأبحاث ومصانع علاجات تخفيف التوتر، بينما دراسة في جامعة هارفارد تؤكد أن لمس الورق يقلل التوتر بنسبة 40%..
نعم، الورق يُصلح ما أفسدته الشاشات، دراسة نُشرت في Journal of Clinical Psychology (2023)، تظهر أن القراءة من الكتب الورقية لمدة 30 دقيقة يوميا تخفض مستويات الكورتيزول (هرمون التوتر) بنسبة 67%، مقارنة بـ 17% فقط عند القراءة الرقمية، كما تزيد إفراز السيروتونين (هرمون السعادة) كما يفعل المشي في الهواء الطلق. عند لمس الورق، يُرسل الجلد إشارات إلى الدماغ تشبه تلك الناتجة عن الاحتضان، حسب بحث من جامعة ستوكهولم. الأصابع تتعرف على خشونة الصفحات، وزن الكتاب، وحتى رائحة الحبر، كلها تفاصيل تُنشط "ذاكرة الحواس" المهدئة. كما أن القراءة كـاليوجا للعقل، حيث اكتشفوا في مختبرات جامعة هارفارد، شيئا مذهلا، أن القراءة العميقة من الورق تُنشط موجات "ثيتا" في الدماغ، وهي نفس الموجات التي تظهر أثناء التأمل. بعد 6 أسابيع من القراءة الورقية المنتظمة، زادت كثافة المادة الرمادية في مناطق الذاكرة والعاطفة لدى المشاركين بنسبة 9% (مجلة Neuroscience).
ولأن الكتب مرايا للأرواح، والقراءة لقاء بين وعيَين؛ ففي عيادة مايو كلينك يُستخدم "العلاج بالكتب" كجزء من علاج الاكتئاب. دراسة تتبعت 500 مريض أظهرت أن المرضى الذين قرأوا روايات ورقية شهدوا تحسنا في الأعراض بنسبة 58%، مقابل 22% لمستخدمين الكتب الإلكترونية. قصص الخيال تحديدا تزيد التعاطف بنسبة 40% (بحث من جامعة تورنتو)، حيث قالت إحدى الناجيات من الصدمة النفسية لطبيبها: "كانت شخصيات الرواية تمسك يدي عندما لم يعد أحد يفعل ذلك". هذا ليس مجرد تعبير مجازي، ففحوصات fMRI تظهر أن الدماغ يتعامل مع الشخصيات الأدبية كما لو كانت أناسا حقيقيين.
في النهاية، دعني صديقي أعطيك وصفة من القرون الماضية من خلال بعض الحقائق. قراءة 10 صفحات ورقية قبل النوم تُحسن جودة النوم وتزيد من إفراز الميلاتونين (جامعة أوكسفورد). الأطفال الذين يقرأون كتباً ورقية يُطورون ذكاء عاطفيا أعلى بـ 27% من أقرانهم (جامعة كامبريدج). كبار السن الذين يحافظون على عادة القراءة الورقية يُقللون خطر الخرف لديهم إلى النصف (Journal of Aging Studies).
وأخيرا "الكتاب الورقي هو ذلك الصديق الذي لا يعطيك النصائح، بل يمنحك مساحة كافية لتجد الإجابات بنفسك."