الجزائر تتنازل وبدون مقابل


كانت الجزائر حتى الأمس القريب تعلن أن فرنسا هي العدو اللدود، لكن في مفاجأة لم يتوقعها حتى أكثر المتفائلين، قررت أن تتجاوز الأزمة، بل وتمد يد المصافحة دون أي شروط أو تفسيرات مقنعة.
بعد اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء، دخلت الجزائر في نوبة غضب دبلوماسي عارمة، فقطعت العلاقات وأطلقت معركة إعلامية شرسة، مستعينة بجوقة من "المحللين" الذين هددوا بأن فرنسا ستدفع ثمن موقفها غاليا، لم يقتصر الأمر على التصريحات النارية، بل امتد إلى إجراءات اقتصادية "عقابية" حسب اعتقادهم لاستهداف المصالح الفرنسية، وكأن الجزائر مستعدة للتضحية بكل شيء من أجل "القضية الوجودية"...،وبحلول أكتوبر 2024، كان الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون قد بلغ ذروة التصلب وأعلن بملء الفم أنه لن يذهب إلى "كانوسا"، في إشارة إلى رفضه التنازل أمام باريس.
لم يكن الكاتب بوعلام صنصال محظوظا في هذا السيناريو، فقد وجد نفسه خلف القضبان في نوفمبر 2024، فقط لأنه عبّر عن رأي لا يتماشى مع الخطاب الرسمي للجزائر ودعم الموقف المغربي بشأن الصحراء المغربية.
وفي باريس، لم تبقَ الأمور هادئة، فقد قررت فرنسا اللعب بأدواتها الخاصة، وبدأت في ممارسة ضغوط قانونية على "الناشطين الجزائريين المتحمسين" الذين كُلفوا بالدفاع عن "الرواية الجزائرية الوهمية"، كما شرعت في إعادة مواطنين جزائريين بطريقة غير قانونية، وهو ما أثار استياء السلطات في الجزائر، ولأن فرنسا تجيد الضغط عند الحاجة، فقد هددت بإعادة النظر في اتفاقيات التعاون وفرض قيود على التأشيرات.
ودون سابق إنذار، خرج تبون في مقابلة صحفية ليتحدث بنبرة تصالحية، لا شروط، لا مطالب، فقط استسلام غير مشروط أمام الواقع الجديد... بعدها، جاءت مكالمة هاتفية مع ماكرون بمناسبة عيد الفطر، بدا خلالها وكأن الجزائر اكتشفت فجأة أن باريس ليست بذلك السوء، والنتيجة بيان مشترك يوثّق المصالحة، خالٍ تماما من أي إشارة إلى الصحراء المغربية، وكأنها لم تكن يوما قضية وجودية كما صرحوا قبل ذلك، في المقابل، لاحت بادرة "إنسانية" من الإليزيه بشأن بوعلام صنصال، في مؤشر على احتمال صدور عفو قريب.
وهكذا، وبعد أشهر من التهديدات والوعيد، عادت الجزائر إلى أحضان باريس، في مشهد يعيد إلى الأذهان علاقتها المتقلبة مع إسبانيا قبل سنوات، ويبقى السؤال الأهم... إلى متى ستظل الجزائر مستعدة لخسارة مصالحها الاقتصادية والسياسية في معركة خاسرة تناصر جبهة وهمية؟!